……
يبدو أن قدر إنسان السودان التضحية حد الاغراق في ظل أوضاع اقتصادية )طاحنة( عجزت في ظلها كل الحكومات المتعاقبة من ايجاد حلول جذرية، وبالتالي ظلت تضغط على المواطن من خلال رفع الدعم عن (المحروقات)، وتضاعف عليه الفواتير، وكلما مزق فاتورة تطل عليه أخري أكثر تعقيداً، مما يسفر عنها إشكاليات أسريه ربما تؤدي إلى إرتفاع نسب حالات (الطلاق)، وهروب الأزواج للضغوطات الاقتصادية، وعدم قدرتهم الايفاء بالالتزامات المعيشية اليومية، وعليه فإن الزوج يترك زوجته لا مطلقة ولا أرملة، ومن يحاول الصمود، فإنه لن يفعل طويلاً.
لإنه سيجد أن كل الحلول الاقتصادية لا تصب في صالحه خاصة وأن رفع أسعار السلع الاستهلاكية لا يطاق.
لا تعدو السياسات الاقتصادية المطبقة على أرض الواقع سوي (مهدئات) و(مسكنات) تنتهي بانتهاء مفعولها، والذي يضع الحكومة أمام علاج غير (ناجع)، ولا يتجاوز الأزمات المتوارثة من نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، فيما يجد المواطن نفسه أمام زيادات في الأسعار بصورة غير منطقية، وربما تفوق تلك الزيادات كل التصورات الممكنة، والمتضرر منها في الأول والأخير (المستهلك)، والذي ظل يعاني الأمرين من الضغوطات الإقتصادية، والتي تتضاعف في إطارها الفواتير يوماً تلو الآخر، وكلما مزق (محمد أحمد) فاتورة أطلت عليه آخري أشد قسوة وإيلاماً، وبالتالي من لم يكن لديه (1000) جنيه على الأقل لا يفكر في الخروج من المنزل نهائياً، وإذا خرج لأبد من ضمان إحضار المبلغ الذي صرفه على اسوأ الفروض، وإذا تسرب إليه الشك بنسبة (1%) فمن الأفضل أن لا يخرج إلى أن تجد الحكومة الانتقالية حلاً جذرياً، لأن كل خيار من الخيارات أمر من الآخر.
تبدأ معاناة الإنسان من ارتشاف كوب (الشاي) في الصباح الباكر، والذي أصبح اعداده مكلفاً جداً لـ(لفرد)، ناهيك عن أسرة لديها أطفال، فالأطفال لا يعرفون كلمة (ما عندي قروش)، وإذا تجاوز رب الأسرة هذه المرحلة، فإن في انتظاره فاتورة المواصلات دون أن يعرف لها تعريفة محددة، خاصة وأن الزيادة تتم مع إشراقة كل صباح، أي أنها (مرهونة) بحسب مزاج ما يسمي بـ(الطراح) أو (الكموسنجي)، وعليه فإن هذا النهج ظل قائماً قبل وبعد سقوط النظام البائد، ولم تصدر السلطات المختصة تعريفة ثابتة لخطوط المواصلات، لذا السؤال لماذا تتجنب الحكومة الانتقالية وضع تعريفة ثابتة للمركبات العامة، وتترك المواطن لقمة سائغة لـ(تجار الأزمات)، وبالتالي لا يمكن للشخص أن يضع ميزانية من دخله المحدود.
إن المواطن الذي انتفض في وجه النظام البائد انتفض من أجل (قفة الخضار)، (الخبز) و(المواصلات)، ولكن هاهو يجد نفسه ضائعاً ما بين مطرقة (تجار الأزمات)، وسندان القرارات الاقتصادية الضاغطة له حد النخاع والعظم، لذلك بات المواطن لا يدري لمن يلجأ للحفاظ على حقوقه، وضمان عدم تلاعب بعض الشركات، المصانع والتجار بالسلع الإستراتيجية، لذا السؤال الذي يفرض نفسه أين تذهب مبالغ دعم (المحروقات)؟ خاصة وأن الحكومة الانتقالية خاضت ذات التجربة قبلاً، وأثبتت فشلها الذريع، ولم يمر عليها سوي زمن وجيز إلا واتخذت ذات القرار القاضي برفع الدعم، فهل وضعت الحكومة دراسة بعيدة المدي لتنمية البلاد؟ وهل تم تحديد فترة زمنية لمعالجة أزمات الاقتصاد، وهل هنالك آلية لتنفيذ رفع الدعم بصورة لا يتضرر منها المواطن، والذي سبق له وأن خاض التجربة، والتي استفاد منها (تجار الأزمات)الذين يوفرون السلع الإستراتيجية بما يتناسب مع طمعهم وجشعهم في الأسواق، تعريفة المواصلات، التعليم والصحة.
إن الراهن الاقتصادي متردي جداً في شتي مناحي الحياة، ويشهد تراجعاً مريعاً ومخيفاً، وهذا يعود إلى أن الحكومة الانتقالية تترك السلع الإستراتيجية لمن لا وازع ولا ضمير له، نعم تترك المواطن (مرهوناً) لطمع وجشع الشركات، المصانع والتجار.
إذا فكر أي إنسان في الخروج من منزله للعمل، فإنه يحتاج إلى (1000) جنيه على الأقل، أي يحتاج إلى ميزانية شهرية (30000) جنيه لـ(لفرد)، فما بالك بالأسرة المكونة من عدد من الأشخاص الذين يضاعفون الفواتير أضعافاً مضاعفة، السؤال كم راتب الفرد أو رب الأسرة؟.
يبدو أن الحكومة الانتقالية تعتمد اعتماداً كلياً على أسهل الحلول، دون دراسة آثارها على المواطن الذي يدفع ثمنها غالياً دون أمل في معالجات عاجلة توازي رفع الدعم عن (المحروقات)، فلم يعد المواطن يحتمل سياسة وضعه أمام الأمر الواقع.

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com