…….
قال المستشار والخبير الاقتصادي البروفيسور محجوب هجانة : لا تستطيع أي دولة تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي ما لم تتوفر على نظام اقتصادي نقدي قادر على توفير السيولة اللازمة للاقتصاد يقوده الإنتاج والصادر الذي يعكس الأداء الاقتصادي حيث يعتبر الاقتصاد والسياسة من أكثر العلوم إرتباطاً ببعضها البعض حيث يؤثر كل منهما في الآخر تأثيراً مباشراً حتى أنهما في بعض الجامعات يتم تدريسهما سوياً تأكيداً على هذا الإرتباط، وعليه سأتناول في هذا المقال الأزمة الإقتصادية الراهنة وبعض الإجراءات الإقتصادية التي قامت بها الحكومة وتأثيرها على الراهن السياسي، فبعد سقوط نظام الإنقاذ وحكم تحالف أحزاب لم يستطع هذا التحالف السياسي تغيير الواقع الذي ورثه من النظام السابق، إلى واقع أفضل حلم به الشعب السوداني وخرج من أجله مطالباً بإسقاط الحكومة، بل لم يستطع حتى المحافظة على الوضع الذي كان قائماً قبيل سقوط النظام، وبقراءة لبعض المؤشرات الإقتصادية نجد أن التدهور الماثل في الإقتصاد السوداني بالإضافة لعوامل إخرى، هو نتيجة لإجراءات إقتصادية المغلوطة ذات أبعاد سياسية بحته فقد إرتفع سعر الدولار مقابل الجنيه من (70) جنيه للدولار الواحد إلى (270) جنيه، بمعدل إنخفاض في قيمة العملة الوطنية بلغ (300%)، وإرتفعت أسعار السلع والخدمات بمستوى متسارع جداً بلغ (900%) لبعض السلع حسب تقرير البنك الدولي حيث أصبح أغلب المواطنين عاجزين عن تلبية حاجياتهم الضرورية والبسيطة، كذلك واصل معدل التضخم صعوده حيث إرتفع من (64%) عند سقوط النظام السابق إلى (229 %) في شهر اكتوبر الماضي من هذا العام، مع توقع البنك الدولي بأن يصل معدل التضخم إلى (300%) كثاني أعلى معدل تضخم في العالم والأول في إفريقيا. أيضاً شهدت البلاد ندرة شديدة في السلع الضرورية كدقيق الخبز وغاز الطبخ والمواد البترولية بنزين وجاز وخصوصاً الأدوية حيث استطالت صفوفها كشاهد على حجم المشكلة واستمرار المعاناة أيضاً تمظهر هذا التدهور الإقتصادي السوداني في عجز الحكومة عن الإستجابة للوضع الصحي في بعض الولايات مثل الكورونا والحميات التي إنتشرت في الشمالية ودارفور، وأشارت إليها بعض التقارير الصحية المحليه، بالإضافة لعجزها عن إستئناف العام الدراسي الجديد بسبب عدم قدرتها على طباعة الكتاب المدرسي هذا الواقع الإقتصادي والسياسي وتأثيرات كل منهما على الآخر هو نتيجة-كما سبق القول- لبعض الإجراءات الإقتصادية المتاثرة بالبعد السياسي، فضلاً عن القصور الإداري وضعف الكفاءة أحياناً، فعلى سبيل المثال تجاوزت الحكومة سقف الإستدانة المسموح به من البنك المركزي حيث بلغت نسبة الإستدانة حتى سبتمبر 2020 أكثر من (18%)، وذلك بغرض تغطية المرتبات الشهرية، وهذا بلا شك ساهم في إرتفاع معدل التضخم الذي حذرنا منه سابقاً ،مع العلم أن قرار زيادة المرتبات هو في أساسه قرار سياسي أكثر من كونه إقتصادي، وذلك بغرض استمالة العاملين بالدولة وكسب رضاهم، كذلك قيام الحكومة بشراء أكثر من (355) مليون دولار من السوق السوداء لتعويض لأمريكا حيث ذلك ساهم في إرتفاع سعره مقابل الجنيه السوداني، وهنا يجب التذكير أيضاً بأن الحكومة الحالية ملزمة حسب إتفاقية السلام الموقعة مع الحركات المسلحة في دارفور بدفع (750) مليون دولار بصورة عاجلة للأقليم، وفي ظل عدم توفر هذا المبلغ لدى الحكومة وعدم وجود إنتاج وصادر وعدم وجود دعم خارجي فستقوم كذلك بشراء الدولار من السوق السوداء، وسيؤدي ذلك إلى النتيجة نفسها وزيادة الدولار فكلا هذين البندين سياسي بامتياز لكنهما ذوي مظهر إقتصادي كما هو منظور ذات النتيجة سيقود إليها رفع الدعم عن الوقود وتحريره ومنح القطاع الخاص رخصة استيراد، ففي ظل عدم قدرة الدولة الحالية على توفير الدولار فسيقوم بشراءه من السوق السوداء إضافة لكل ذلك نجد ان الحكومة لم تعط الأولوية لمعاش الناس وللشأن الإقتصادي والتنمية، حيث كرّست جل وقتها للثأر من الخصوم السياسيين، وتمكين الأشخاص والأفكار، فلم يلحظ المراقب أي خطة طارئة قصيرة أو متوسطة المدى لوزارة المالية والاقتصاد لتعبئة الموارد وتنميتها، او لوزارة الزراعة في كيفية زيادة الإنتاج، أو لوزارة الصناعة في كيفية النهوض بالصناعة وغير ذلك. كل هذه التأثيرات المتبادلة بين الإقتصاد والسياسة مقرونة مع فشل الحكومة في أكثر الملفات أهمية وإرتباطاً بحياة ومستقبل المواطن وبلوغ الوضع المعيشي لمستوى يتجاوز طاقته على التحمل، ومع إنسداد الأفق وعجز الحكومة عن إبتكار الحلول الغير اقتصادية سيدفع ذلك الشعب عاجلاً أو آجلاً للخروج طلباً للتغيير السياسي، ما لم يحدث إختراق سريع في الحالة الإقتصادية،
ومضي المستشار والخبير الاقتصادي برفيسور هجانة : يفترض من القائمين على أمر الاقتصاد السوداني مراجعة سياساتهم الاقتصادية حيث أن الإصلاح الاقتصادي لن يتحقق ابداً إلا إذا استطعنا رفع كفاءة الاقتصاد، ومتى ما استطاع أي بلد رفع الكفاءة باستخدام هذه المصادر فسيحقق زيادة في الناتج المحلي والدخل، وبالتالي يحصل الرخاء الاقتصادي، والله يهون على شعبنا الطيب والله الموفق.

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com