……….
السؤال الذي يفرض نفسه في الراهن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي والفكري هو لصالح من يستشري (الفساد) في الظاهر والخفاء، نعم يستشري بصورة ملفته جداً، وقطعاً يؤثر في الناس رغماً عما يبذل من مجهود للقضاء عليه، إلا أنه مازال يسيطر على الواقع، وكأن هنالك من لديه مصلحة في الإبقاء عليه، خاصة وأن هنالك من ينتهجون نهج يؤطر لممارسات دولة نظام الرئيس المخلوع (عمر البشير).
من المؤكد أن الإبقاء على (الفساد) في صوره المتعددة سيكون لاعباً أساسياً في عدم خروج الحكومة الانتقالية من الأزمات المتوارثة من النظام البائد، وبالتالي فإن ملفات (الفساد) المختلفة تتطلب إجراءات عاجلة وحاسمة دون الإبطاء فيها حتى يتم إنجازها سريعاً، وترد فيما بعد الأموال إلى خزينة الدولة، والإتجاه على هذا النحو يحقق ما تنشده ثورة ديسمبر المجيدة، والتي تأمل في مكافحة (الفساد) بالصورة المثلي، ولا سيما الإسراع في وضع حد له حتى تكون النتائج النهاية إيجابية.
يجب إعادة النظر في كيفية فتح ملفات (الفساد) عموماً، ومن ثم تطوير الآليات المستخدمة في هذا الإطار، بالإضافة إلى توفير الإمكانيات المتوافقة مع حجمه المخيف والمقلق خاصة وأنه موجوداً في أغلب مفاصل الدولة، لذا ظلت تعاني منه الأمرين، مما قاد إلى الأثار السالبة في المشهد رغماً عن الإطاحة بالنظام البائد.
إن عدم الشفافية في ملفات (الفساد)، وتمليك الرأي العام ما يدور حولها سيفرز الكثير من المرارات للظلم الذي وقع على الشعب، لذلك لابد من التأكيد بأن (الفساد) الظاهر والخفي من إنتاج وإخراج مؤسسات النظام البائد، فبعد أن كان ظاهرا أصبح الآن (فساداً) يدار في الخفاء، إلا أنه يمشي بين الناس، ويحسون به في حركاتهم وسكناتهم، فكلما استغلوا المركبات العامة يتفاجأون بزيادات كبيرة في التعريفة المضاعفة أكثر من (200%)، والأغرب أن (فساد) المواصلات يحدده ما يسمي بـ(الطراح) أو (الكومسنجي)، إما فساد بعض الشركات، المصانع والتجار فإنه يتجلى في رفع أسعار السلع الاستهلاكية بما لا يتوافق مع ميزانيات الأسر الفقيرة، وعندما تسأل لماذا؟ يردون تحججاً بأن الدولار الأمريكي مرتفعاً، وأن كانت هذه الحجة لا تنطلي على المستهلك، لأنه حتى إذا انخفض سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني لا يتم تخفيض أسعار السلع الاستهلاكية رغماً عن أن البعض منها يكون موجوداً في رفوف البقالات أو المحلات التجارية قبل الزيادة المقررة حديثاً، هكذا الكل يستنزف الآخر دون رحمة أو رأفة، وليس مهما من أين يأتي المواطن المغلوب على أمره بالمال لكي يمزق به كل تلك الفواتير المضاعفة، والتي تطل عليه أشد عنفاً، وذلك مع إشراقة كل صباح جديد.
يبقي (الفساد) في صوره المتعددة مهدداً خطيراً للمجتمع، والذي ظل يعاني منه ومازال بسبب السياسات الخاطئة.
مما لا شك فيه، فإن السياسات الاقتصادية الخاطئة ولدت نوعاً اخراً من (الفساد)، والذي يلعب فيه المواطن دوراً كبيراً إلا وهو أن البعض يفكر في (الوساطة) قبل التفكير في إتمام معاملة من المعاملات في هذه المؤسسة أو تلك رغماً عن أنه حق من حقوقه المشروعة التي لا تستوجب التنازل عنها بأي صورة من الصور، وعليه فإن المتعامل مع المؤسسات المختلفة يجب أن لا يتم وفق البحث عن الوساطة أو دفع ما يسمي بـ(التسهيلات) لأنه يساهم في (فساد الذمم)، وأمثال هؤلاء الذين نفسدهم يفترض فيهم أن يخدمونا، طالما أننا ندفع الضرائب والزكاة، بالإضافة إلى رسوم المعاملات، لذا يجب أن لا نتعامل وفق ما كان يتم أبان النظام البائد، والذي فسد وافسد العاملين معه بالتسهيلات خارج الأطر القانونية، ومثل هذا النهج يكون خصماً على حساب آخرين ليس لديهم المقدرة على دفع مبالغ إضافة للرسوم المقررة، لذا ارتهن نجاح الحكومة الانتقالية بالقضاء على (الفساد)، والذي قطعاً مكافحته تتقاطع مع مصالح بعض الشخصيات.
إن الكشف عن مصادر الدخل وإبراء الذمة بإقرارات ما قبل الوظيفة مهماً جداً في إطار عدم تقاطع المصالح الشخصية مع معاملات المواطن فيما بعد، لذا يجب الإسراع في حسم ملفات (الفساد) حتي يتحقق ما تبتغيه ثورة ديسمبر المجيدة، خاصة وأن بعض مؤسسات دولة نظام الرئيس المخلوع عمر البشير رفضت المراجعة الداخلية، مما يؤكد أن هنالك (فساداً) تحول على إثره الموظفين إلى (تجار) و(سمسارة)، وبالتالي ظهرت عليهم علامات الثراء الفاحش، وأمثال هؤلاء يجب مسألتهم من أين لكم هذا؟، واجتزاز من لازالوا في الوظائف، وذلك من خلال تفعيل دور المراجعة الداخلية والرقابة على المال العام بآليات نافذة تكشف حتى (الفساد) الخفي، وأن كنت على قناعة تامة بأن الفشل في أي ملف من الملفات المتعلقة بالنواحي المالية يكون سببه عدم الجدية في حسمه، ولن تكون هنالك جدية إلا من خلال فتح البلاغات وتقديم المتورطين للمحاكم دون أي إبطاء، مع إيجاد حلول ناجزة للأزمات الاقتصادية الطاحنة كالمشتقات البترولية، الخبز، البطالة والسكن حتى نضمن بيئة مستقرة في ظل التحول الكبير الذي أحدثته (العولمة) ووسائطها المختلفة، والتي قادت العالم إلى أن يصبح عالماً رقمياً، فأي محاولة لمواكبة التطور دون القضاء على (الفساد) ستفشل.

PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com